محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

118

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

بقاء العبد ووجوده ، فمن لطف اللّه بعبده تلوينه فيها ، ثم إخراجه عنهما بفنائه عن نفسه وبقائه بربه . قال فارس ، رضي اللّه تعالى عنه : القبض أولا ، ثم البسط ، ثم لا قبض ولا بسط ، لأن القبض والبسط يقعان في الوجود ، وأما مع الغناء والبقاء فلا . وكان الجنيد ، رضي اللّه تعالى عنه يقول : « الخوف يقبضني والرجاء يبسطني ، والحقيقة تجمعني ، والحق يفرقني ، إذا قبضني بالخوف أفناني عني ، وإذا بسطني بالرجاء ردّني عليّ ، وإذا جمعني بالحقيقة أحضرني ، وإذا فرقني بالحق أشهدني غيري ، فغطّاني عنه ، فهو تعالى في ذلك كله محركي غير مسكني ، وموحشي غير مؤنسي ، فحضوري لذوق طعم وجودي ، فليته أفناني عني فمتعني ، أو غيبني عني فروّحني » . وقد تكلم صاحب كتاب « عوارف المعارف » « 1 » في القبض والبسط بكلام بديع طويل تركت نقله هاهنا اختصارا ، فمن أراده فلينظره هناك . العارفون إذا بسطوا أخوف منهم إذا قبضوا ، ولا يقف على حدود الأدب في البسط إلا قليل . إنما اشتد خوف العارفين في البسط ما لا يشتد في القبض من قبل ملاءمته لهوى أنفسهم بخلاف القبض ، كما سيقوله المؤلف ، فيخافون حينئذ من رجوعهم إليه ، وذوقهم لطعم نفوسهم ، وفي ذلك الطرد والبعد ، وقد كتب يوسف بن الحسين الرازي ، إلى الجنيد ، رضي اللّه تعالى عنهما : « لا أذاقك اللّه طعم نفسك ، فإنك إن ذقتها لا تذوق بعدها خيرا أبدا » ومن ثم يتأكد عليهم في ذلك ملازمة الأدب ودوام الانقباض والانكسار ، وذلك أمر عسير في هذا الحال ، ولذلك لا يقف على حدود الأدب في البسط إلا قليل ، كما قال المؤلف ، رحمه اللّه تعالى ، وقد قيل : « قف على البساط وإياك والانبساط » . وقال رجل لأبي محمد الجريري « 2 » ، رضي اللّه عنه : « كنت على بساط الأنس ، وفتح عليّ طريق البسط ، فزللت زلّة فحجبتّ عن مقامي فكيف السبيل إليه ؟ دلّني على الوصول إلى ما كنت عليه ! ! » . فبكى أبو محمد وقال : يا أخي ، الكلّ في قهر هذه الخطيئة ، لكني أنشدك أبياتا

--> ( 1 ) انظر ( كشف الظنون 2 / 1177 ) . ( 2 ) هو أبو محمد أحمد بن محمد بن الحسين الجريري من كبار أصحاب الجنيد ، وقد صحب سهل بن عبد اللّه وكان عالما بعلوم هذه الطائفة ( الرسالة القشيرية ص 402 ) .